الرئيسية » الاخبار » مقالات- لنى السكافي : أزمة الطعون الاسود في المجتمعين الأوروبي و الشرق اوسطي
لانا سكافي

مقالات- لنى السكافي : أزمة الطعون الاسود في المجتمعين الأوروبي و الشرق اوسطي

بقلم :لنى السكافي _لبنان

دمار مميت اصاب اوروبا في القرون الوسطى ما بين اعوام (1346-1353م) , الموت الأسواد (الطاعون) هذه التسمية المرعبه تتحدر من الكلمة الاتنينة (أترا) و تعني (الرهبة السوداء) حيث ان وفي ذلك الزمن كتب عنها عدد من كتاب و شعراء اوروبا منهم الشاعر بترارش الفلورنسي حيث وصف حفر دفن جثث المصابين , بالعميقه جدا : بحيث كانت الجثث تدفن على طبقات يفصل بينها التراب .
كانت حصيلة ضحايا هذا المرض ما يناهز الخمسون مليون انسان¸ماكان يشكل 60 بالمئه من عدد سكان اوروبا آن ذاك .
وكما سبق وذكرنا بأن هذه الحاله الكارثيه التي سببها هذا المرض, والذي قضى على هذا العدد الهائل من السكان, قاد الكثيرين الى حالة من اليأس, الى الأعتقاد بأن خلاصهم بالموت وحده للتخلص من الواقع المزري الذي هم فيه, وبالتالي لللفاء أحبتهم الذين فقدوهم .
وهم لم يدركو بأنه ستشرق شمس حضارة تولد من رحم هذه المآسي وينتج عنها متغيرات اجتماعيه,سياسيه وأقتصاديه والتي سيسطع نور شمسها على اوروبا الحديثه التي نعرفها اليوم.
بدأ بالعام 1352 خفت وطأت المرض عن أوروبا, وظهرت مخلفات الكوارث ,حيث صدم الاوربيين بالأقتصاد المدمر مدن متهالكه من الأهمال,مزارع خاويه من الزرع والمزارعين, يد عامله شحيحه ناتجة عن الخسائر البشريه, والذي أدى بدوره الى ارتفاع أجور اليد العامله بشكل ملحوظ, بناء على مبدأ العرض والطلب . ورغم الشح في المواد الغذائيه لم ترتفع اسعارها, رغم ارتفاع باقي السلع عموما.
الموت الاسود (الطاعون) دفع إلى تطوير القطاع الصحي من التشحيصي, والمواد والمعدات الطبية, الى تطوير الخدمات الإستشفائية و العلاجية من ادوية و معدات جراحية. و في المقلب الأخر تم احباط السحرة و المشعوذين وتجار الدين .وتباعا اقفلت مدارس الشعوذه و اجبر رجال الدين الى الإنسحاب الى اديرتهم, وكثر عدد المدارس العلمية وازدهرت وحتى يومنا هذا.
اما مابقي من ساسه فقد عانوا من حالة فقدان للإيمان وذلك نتيجة عدم وجود اجوبة على أسئلتهم لرجال الدين , الذين أصيبوا بالوباء كغيرهم , وماتوا, بعد ان كانو يعتبرون انفسهم ظل الله على الارض و الناطقين والحاكمين باسمه, اما مابقي من مؤمنين, فقد حولوا ايمانهم من شعائر وطقوس في دور العبادة العامة الى شعائر وصلوات في منازلهم .
من كان ليتخيل بأن هذا الوباء, سيكون الحافزالاساسي لنهوض اوروبا ووصولها الى ماهي عليه اليوم من تقدم وازدهار, موقع للقرار السياسي, وقوه عسكريه كبرى.
الصادم ان هذا الوباء منشأه وتصديره كان من الشرق الأوسط الى شمال أفريقيا ثم أوروبا.
عدد الضحايا للوباء في آسيا وأفريقيا كل على حدى كان يفوق عدد ضحايا أوروبا وذلك للكثافه السكانيه , أما توثيق المعلومات فهو فقير جدا, فعلى سبيل المثال خسرت شمال أفريقيا وآسيا الصغرى مابين 75- 200 مليون ضحيه .
في الحقيقه أن بعض المراقبين الأوربيين نقلوا ما رؤا في الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان ,ووسط آسيا مثل أرمينيا تتاريا وغيرها, بأن جثث الضحايا كانت تغطي مساحات واسعه من الأراضي. أما الهند فشهدت تناقصا شديدا بعدد السكان .الأكراد لجؤ الى الوديان والمرتفعات الجبليه.
ففي احدى كتابات ابن بطوطه أثناء ترحاله في ذلك الزمن عبر لبنان ,سوريا وفلسطين, في مدنها الرئيسيه, يقول على سبيل المثال لا للحصر يموت حوالي ألفي شخص يوميا في مدينة دمشق وحدها.
أما مكه المكرمة في شبه الجزيره العربيه والعراق, فقد أصيبت بالمرض على دفعتين الأولى 1349 والثانيه 1351 . وعليه فان هذا الوباء قد تفشى وقتل العدد الهائل من السكان ان كان في أوروبا ام في آسيا وهنا نحدد المناطق ذات السكان من العرق العربي . والسؤال هو هل غير هذا الوباء المعطيات الأقتصاديه الأجتماعية والسياسية في المناطق العربيه, كما تغيرت في أوروبا ؟
المفاعيل الأقتصاديه
من الصعوبه بمكان تحديد عدد ضحايا الوباء في مصر ووادي النيل, ولكن كتقدير قضى على ثلث السكان, في الوقت الذي قضى فيه على ثلثي سكان أوروبا.
زراعيا في اوروبا طلب الأقطاعيون من المزارعين والفلاحين العمل في ألأرض وبدأ الأنتاج, وذلك مباشرة بعد انتهاء الوباء .
أما في مصر فقد أمر الأقطاعيون بأحراق الأراضي بمحاصيلها وحرمان الفلاحين وحتى أنفسهم من خيرات زرعها ز

ردات الفعل الدينيه في أوروبا والشرق
المسلمون و المسحيون كان لديهم نفس وجهات النظر بما يخص هذا المرض من ناحية مسبباته, وان هذا الوباء قد وجد باءرادة الله.
واختلفوا من نواحي اخرى , مثل,ان المسلمون اعتبروه بركة ونعمه من الله عليهم! اما المسحيون,فاعتبروا الوباء سخط من عند الله,وقصاص لهم لما ارتكبوا من خطايا,اما المسيحيون فلاموا البهود,واتهموهم بوضع السم في اّبار الماء التي تخصهم, واحرقوا كل ما تيسر لديهم من يهود. في حين ان المسلمين لم يلوموا و يتهم وا اليهود.
المسيحيون أعتقدوا بأن احدى أسباب المرض هو حركة الكواكب, وكثرة الثياب التي يرتدونها للوقايه من البرد.
أما المسلمون فردوا أسباب المرض أيضا الى نزول النيازك على الأرض, وقذفهم بالوباء من الشياطين, حتى الأفران الدافئه اعتبروها من مسببات الوباء, واجتمع المسلمون والمسيحيون على أن الهواء الملوث أيضا من أسبابها . وهذا يدل على أن اختلاف وجهات النظر اكثر من ألتقائها .
ولما كانت نقاط الخلاف حول مسببات هذا الوباء. مختلفه اكثر بين المسلمون والمسيحيون فالسؤال هنا هو, كيف كان ردفعل كل منهما على تفشي هذا الوباء؟
ردات الفعل كانت مختلفه جدا بين المسلمون والمسيحيون ففي حين أن المسيحيون تمردوا على الكنيسه والدوله, وظهر تمردهم على الوضع القائم. أما المسلمون فقد بدؤ بالصلاة والدعاء طلبا للرحمه والرأفه من الله
هذا يبين الفروقات الشاسعه بين طريقة التفكير والسلوك بين المسيحيين والمسلمين. اذ أن المسلمين تمسكوا اكثر بدينهم وعقيدتهم ودولتهم على أساس أن الخلاص هو من خلالهم. أما المسيحيين فثاروا وتمردوا على كنيستهم التي كانت تتمثل بها الدوله في ذلك الحين, وقتلوا اليهود أعتقادا منهم بانهم سبب الكارثه.
ومن المفارقات الأخرى الكثيره في التعامل بما يخص هذا الوبااء بين هذين الفريقين المسلمون والمسيحيون, اذ أن المسيحيون وبهدف الوقايه كانوا يملؤن بيوتهم بالورود والأزهار, ويتجنبون النوم على ظهورهم, والغريب أنهم كانوا يعتقدون أن تنشق أبخرت المراحيض قد تجنبهم المرض,أما المسلمون فقد حجروا أنفسهم في المنازل, واستخدموا بعض الكتابات المشعوذه, وابتعدوا عن الألفاظ المحبطه, وأكثروا من أكل بذور اليقتين وكبيس البصل وعصائر الحوامض .
كل ماورد اعلاه يظهر التباين بالتعامل مع هذا الوباء بين الحضارتين المسيحيه والاسلاميه, علما أن النقاط المشتركه بينهما كانت قليله جدا, والافت أن المسلمون والمسيحيون في دمشق أقاموا الصلاة طلبا للرحمه من الله مما يدعوا للتساؤل : هل الدين يؤثر في البيئه أم البيئه تؤثر في الدين ؟! وهل لو كان هناك مسلمون في أوروبا كانوا ليحتجوا على مرجعياتهم الدينيه كما فعل المسيحيون.
خلاصة الموضوع, أنه يمر المجتمع الأنساني بأزمات عديده ومختلفة الشكل والعمق والمدى الزمني , منها الكوارث الطبيعيه, الأمراض الساريه والمعديه, الحروب وويلاتها, والنتيجه الحتميه لكل هذه الأزمات هو الفقر والجوع والمرض ثم الموت. كل أمم الأرض تعرضت لذلك, منها من تم تدميره بالكامل وأخرون تراجعوا عقودا للوراء ومنهم من خرج أقوى وأشد عودا.
الى ما يعود سبب ذلك؟؟

عن realnews lebnon

Call Now Buttonاتصل بمدير الجريدة الان